أبي منصور الماتريدي
312
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بالسيف » « 1 » . ثم الأصل أن الساحر يفرق بين الاثنين ، ويعمل سحره في التفريق على وجه لا يوقف على سبب التفريق ، وكان سبب تفريق رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ظاهرا ؛ لأنه كان يأتيهم بالحجج ؛ فيعلم من أمعن النظر فيها صدّقه فيما يدعي من الرسالة فيؤمن به ، ومن ترك النظر فيها ، ولم يعط من نفسه النصفة ترك الإيمان به ؛ فبطل أن يكون تفريقه كتفريق السحر . ولأن كلّا منهم لو تفكر فيما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأمعن النظر فيه ، حمله ذلك على الإيمان به ، والتصديق لرسالته ؛ فيصير الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم سبب [ الاجتماع والألفة ] « 2 » ، لا أن يكون سبب التفريق بين الأحبة . ثم الأصل أن الساحر بغيته وقصده من سحره نيل الجاه عند العظماء والرؤساء واستفادة السعة في الدنيا ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يكن يطلب بما أتى به الجاه عند الرؤساء ، بل عاداهم ، وأظهر الخلاف لهم ، فدعا الخلق إلى الزهادة في الدنيا لا إلى الاستكثار منها ، فكيف يجوز أن ينسب إلى السحر ، وقد أتى بما يضاد فعل السحرة ؟ . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ : قد علم أنه ليس بقول البشر ؛ لما عجز البشر عن إتيان مثله ، وقال : إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ؛ فثبت أنه على العلم منه بأنها آيات عاند . وقوله - عزّ وجل - : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . السقر : لون من العذاب . وقيل : السقر : هي الدركة الخامسة . وقيل « 3 » : السقر : من أبواب جهنم ، ومعناه « 4 » : سأدخله جهنم من باب السقر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ : يحتمل : أي : لا تبقي [ له ] حياة يتلذذ بها ، ولا تذره يهلك فيستريح ، بل يبقى أبدا في الهلاك ، كما قال تعالى : فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ طه : 74 ] . ويحتمل : لا تبقي له جلدا ولا لحما ولا عظما ، بل تنضج جلده وتأكل لحمه ، وتكسر عظمه ، ولا تذره على تلك الحال كسير العظم ، مأكول اللحم ، نضيج الجلد ، بل يعاد
--> ( 1 ) ذكره ابن حجر في فتح الباري ( 10 / 236 ) بلفظ : حد الساحر . ( 2 ) في ب : للاجتماع وللألفة . ( 3 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 12 / 310 ) . ( 4 ) في ب : فمعناه .